فصل: مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

واعلم أن المتوفي في الحقيقة هو اللّه تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر اللّه الملك بقبض روحه والملك الموكل بقبض الأرواح له أعوان وكل أمرهم إليه فيأمرهم بنزع روحه حتى إذا وصلت للحلقوم قبضها هو بنفسه، وهذا التأويل يجمع بين قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} الآية 42 من الزمر المنوه بها أعلاه وقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} الآية 12 من سورة السجدة الآتية وبين هذه الآية تيقظ {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} بعد استيفاء آجالهم في البرزخ وإنما قال تعالى الحق لأنهم أي الكفرة كانوا يزعمون أن مولاهم الصنم الذي اتخذوه فنبههم اللّه بأن زعمهم ذلك باطل من أصله وقد أظهر لهم بطلانه وبين لهم أنه هو سيدهم ومالكهم لا غير فتنبه أيها العاقل {أَلا لَهُ الْحُكْمُ} وحده يومئذ في حسابهم على ما كان منهم {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ 62} لا يحتاج إلى رؤية وفكر ولا يشغله حساب بعض عن آخرين يحاسب، الخلائق كلها بنفسه محاسبة رجل واحد في أسرع وقت وأقصر زمان والمقصود منه على زعم الفلاسفة استعلام ما بقي من الدخل والخرج ولما كان لكل ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح بحسب حسن العمل وقبحه إذ لا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضا للبعض وبعد حصول المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو الآن الذي فيه فينقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبّر عن هذه الحالة بسرعة الحساب وزعمهم هذا هو أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة وأنه يجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد من تلك الأعمال أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة وحينئذ يقال إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة من هذه الجوارح فكأن ذلك الصدور جاريا مجرى الشهادة بحصول تلك الآثار في جواهر النفس وعلى هذا فيقصد من الحساب ما ذكر آنفا وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكم الفلسفية، قال الألوسي رحمه اللّه متمثلا في هذا البيت:
راحت مشرقة ورحت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب

أي أن هذا الذي تقوله الفلاسفة لا ينطبق على ما نحن فيه ولا يقرب منه إلا كقرب المشرق من المغرب وأنا أتمثل بقول الآخر:
أيها المنكح الثريا سهيلا ** عمرك اللّه كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استهلت ** وسهيل إذا ما استهل يمان

ولا يرد هنا قولهم إن اللّه تعالى لا يتولى حسابهم بنفسه لقوله جل قوله: {لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ... وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} الآية 77 من آل عمران في ج 3، لأن الكلام غير المحاسبة أي لا يكلمهم كما يكلم المؤمنين ولا ينظر إليهم نظرهم لأن الكلام والنظر يختلفان باختلاف المكلم والمكلم وبحالة الرضا والغضب، تدبر.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ} ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمه الرياح {وَالْبَحْرِ} ظلماته المارة في الآية 38 وهي ثلاثة والرابعة ظلمته لأن البحر كلما عمق اشتد سواده فتراه في الساحل أبيض فإذا سرت فيه ازداد عمقه فصار أخضر فأزرق فأسود، أي إذا ضللتم الطرق فيها وتحيرتم أأصنامكم تخلصكم من الخوف الذي يلحقكم من التيه والغرق وترشدكم إلى طريق النجاة والأمن أم اللّه الذي {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا} جهرا وعلانية {وَخُفْيَةً} سرا في أنفسكم وتقولون حينما يشتد بكم الفزع {لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ} الشدة المؤدية للهلاك يا إلهنا الحق ومولانا الصدق {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63} لك إحسانك علينا وإنعامك ونؤمن بك وبكتابك ورسلك {قُلِ} يا سيد الرسل لهؤلاء الجاحدين إن أجابوك وإن لم {اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها} من تلك الظلمات المؤدية لهلاككم {وَ} وينجيكم أيضا هو وحده {مِنْ كُلِّ كَرْبٍ} لا أحد غيره {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ 64} به غيره بعد إنجائكم وتكفرون نعمه التي أسداها لكم وتنسون لطفه بكم، فيا أكرم الرسل {قُلْ} لهؤلاء الكفرة افعلوا ما شئتم وتحصنوا بما تصورتم فلا وزر لكم منه لأنه {هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} فيمطركم به كما أمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل راجع قصتهما في الآية 82 من سورة هود المارة والآية من آخر سورة الفيل في ج 1 {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كما خسف بقارون ورفيقه المار ذكره في الآية 82 من سورة القصص في ج 1، وهذا مثل للإهلاك في البحر، أما الإهلاك في البر فهو المبين بقوله عز قوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} يخلطكم خلط اضطراب فيجعلكم فرقا مختلفين يتعصب بعضكم لبعض ضد الآخرين منكم فتقتتلون وتتباغضون، قال السلمي:
وكتيبة لبّستها بكتيبة ** حتى إذا التبست نفضت لها يدي

{وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي يقتل بعضكم بعضا، والبأس يطلق على الموت والسيف والشدة والمكروه كما أذاق ذلك بني إسرائيل إذ لم يقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم ففعلوا لأجل قبول توبتهم تخلصا من العذاب الأخروي الدائم لأنهم رحمهم اللّه عرفوا أن هذه الدنيا فانية وعذابها مهما كان عظيما فهو فان أيضا فاختاروا الدار الباقية طلبا لرضاء ربهم ففادوا بأنفسهم.
راجع قصتهم في الآية 54 من سورة البقرة في ج 3، جاء في الخبر عن سيد البشر أنه قال: سألت اللّه أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف.
وروى البخاري عن جابر قال: لما نزلت {قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} الآية المارة قال أعوذ بوجهك {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال أعوذ بوجهك {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} قال هذا أهون أو هذا أيسر.
وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني أمية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.
وأخرج عن خباب بن الأرت قال: صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاة فأطالها فقالوا يا رسول اللّه صليت صلاة لم تكن تصليها قال أجل إنها صلاة رغبة ورهبة إني سألت اللّه تعالى ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها.
والأخبار في هذا كثيرة ولم نأت بها استدلالا على سبب النزول لأن منها ما لا يصح لعدم وقوعه إلا بعد نزول الآية بسنين وإنما أتينا بها استدلالا لإيقاع البأس بين هذه الأمة من بعضها وهو واقع لا محالة، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، ولهذا فإن من قال إنها نزلت في أمة خاصة لا يصح إلا إذا قيل باعتبار آخرها ولهذا قال أبو العاليه في هذه الآية: هن أربع وكلهنّ عذاب وقعت اثنتان بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلم بخمس وعشرين سنة يريد حادثة عثمان رضي اللّه عنه وما وقع بين علي كرم اللّه وجهه ومعاوية إذ ألبسوا شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان لابد واقعتان وهما الخسف والرجم وبهذا قال أبي بن كعب ومجاهد وغيرهما فيا أكرم الرسل {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ} ونكررها بالوعد والوعيد والرجاء والخوف والرضاء والغضب {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ 65} معانيها ويتدبرون مغازيها فينزجروا عما هم فيه {وَكَذَّبَ بِهِ} بهذا القرآن {قَوْمُكَ} يا محمد {وَهُوَ الْحَقُّ} الذي لا مرية فيه ولا أصدق منه {قُلْ} لهم إذ جرأوا على ذلك قوا أنفسكم من عذاب اللّه لأني {لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ 66} حتى أقيكم منه ولا بمنتقم حتى أجازيكم عليه ولا بحفيظ حتى أحفظكم من عذابه إنما أنا منذر مبلغ مرشد فقط ولكن عليكم أن تعلموا أن {لِكُلِّ نَبَإٍ} من أخبار القرآن {مُسْتَقَرٌّ} ينتهي إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما معا في الوقت والمكان الذي قدر وقوعه فيه لا يتقدم ولا يتأخر ولا يتخلف، ولا تزالون أيها الكفرة تتلبسون في حالتي التكذيب والجحود حتى يأتيكم أمر الله: {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 67} إذ ذاك مغبة عملكم وقساوة جزائه، وهذه الآية محكمة بدليل وقوع التهديد والوعيد في آخرها، وما قيل إنها منسوخة بآية السيف قيل لا يصح لأن صاحب هذا القيل فسر وكيل بعبارة (لم أومر بحربكم) وهذا المعنى أبعد من عنقاء مغرب لأن وكيلا بمعنى حفيظ ورقيب ومدافع وزعيم وحميل ومحام ليس إلا ومتى كان كذلك فإنه إنما يطالبهم بالظاهر من الإقرار والعمل لا بما تحتويه ضمائرهم بدلالة قوله: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} تدبر هذا.

.مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

واعلم أن اللّه تعالى يقول: {وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا} المنزلة عليك يا سيد الرسل وهذا خطاب له ولأمته لأن الآية صالحة للعموم أكثر منها للخصوص، وهذا الخوض هو ما يقع منهم من السخرية والاستهزاء والطعن والذم والتكذيب والإنكار بوجود الإله والنبوة والمعاد ومعناه لغة الشروع في الماء والعبور فيه ويستعار للأخذ بالحديث والشروع فيه بطريق التنقيد والتفنيد، يقال تخاوضوا وتفاوضوا في الحديث وأكثر استعماله في ذلك قال تعالى: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ} الآية 45 من سورة المدثر المارة في ج 1، وقال تعالى: {إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} الآية 65 من سورة التوبة في ج 3، وقال تعالى: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا} الآية 7 منها وأكثر استعمالها في الذم، أي إذا رأيت أيها الإنسان الخوض من أناس ما في آيات ربك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} واحذر مجالستهم وتباعد عنهم وإياك مقاربتهم {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} مما يحل سماعه ويندب الاشتراك فيه فجالسهم {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ} على الفرض والتقدير الاعراض عنهم ومجالستهم بسائق الغفلة التي هي من شأن البشر أو انشغال فكرك باللّه.
هذا على أن الخطاب لسيد المخاطبين إذ لم يقع منه قط شيء من ذلك وأنّى للشيطان أن يشغل فكره وليس له عليه سبيل ولهذا عبر بان الشرطية المؤكدة بما لأنهما تفيد الشك وإذا كان الخطاب لغيره فلا مانع من وقوعه، والنسيان مرفوع إثمه عن الناس إذا ترك حين تذكر بأن فارقهم حالا أو أنه جالسهم قبل الخوض فقام زمنه حالا وإلا فهو مؤاخذ به بلا شك ويخشى على إيمانه إذا داوم الجلوس معهم بعد الخوض وحكم كل مجلس يتعدى فيه على حدود اللّه كذلك {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 68} أنفسهم بالتجاوز على آيات اللّه وهذا نهي قاطع ألا فلينته الغافلون عنه، نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين كانوا يجالسون المشركين بأنديتهم فيقعون بالاستهزاء بالقرآن والسخرية بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم والجحود للّه فنهى اللّه رسوله والمؤمنين كافة عن مجالستهم في تلك الحالة وإنما كان الخطاب لحضرة الرسول الذي لم يجالسهم في تلك الحالات وأراد المؤمنين الذين وقع منهم ذلك ليكون المنع أبلغ والنّهي أشد، هذا وقد مدح اللّه الذين يعرضون عن اللغو فقال جل قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} الآية 3 من المؤمنين الآتية، وقال عز قوله: {وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} الآية 55 من القصص، وقال تعالى قوله: {وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} الآية 72 من الفرقان المارتين في ج 1، هذا مطلق اللغو فكيف بما يقع في أمور الدين وفي اللّه وكتبه ورسله إذ يجب المنع منه باليد فإن لم يستطع فباللسان وعليه حالا ترك ذلك المجلس، فعلى العاقل أن يتجنب اللغو ومجالسة أهله لئلا يعرض نفسه لما يكره في الدنيا والآخرة، واعلم أن النسيان الذي لا يكون مبعثه انشغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية مما لم يكن في الأفعال البلاغية والعبادات جائز بالنسبة لحضرة الرسول الأعظم أما النسيان الذي في الأقوال البلاغية والعبارات فهو مستحيل عليه وكذلك السهو والخطأ في شيء من ذلك فهو ممتنع في حقه قطعا، أما السهو والخطأ والنسيان في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ في الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة ولا ما يتعلق فيها وكل ما لا يضاف إلى وحي فهو جائز في حقه صلّى اللّه عليه وسلم إذ لا مفسدة فيه ولا يجوز عليهم أي الأنبياء أجمع خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا ولا خطأ لا في صحة ولا في مرض ولا في رضى ولا في غضب وهنا يؤول قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى} الآية من سورة والليل المارة في ج 1 الذي استدل به بعض الشيعة على عدم جواز نسبة النسيان له مطلقا في كل ما يؤديه عن اللّه تعالى من القرآن والوحي لما فيه من المفسدة أما فيما عدا ذلك مما لم يؤد إلى إخلال بالدين فهو جائز وهذا هو القول الجامع بين قول أهل السنة والجماعة وبين إخوانهم الشيعة إذا فلا منافاة ولا اختلاف وهكذا الأنبياء كافة عليهم الصلاة والسلام.
هذا وإن سيرة حضرة الرسول وحالته وكلامه وأفعاله مجموعة يفتى بها على ممر الزمان ويتناولها المؤمن والمنافق والمخالف والموافق والمرتاب والمصدق فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة واحدة ولو كان لنقل عنه كما نقل سهوه في الصلاة في قصة ذي اليدين وغيرها ونومه عنها وانشغاله في حادثة الخندق وكما نقل عنه استدراك رأيه في تلقيح النخل وقوله بعد ذلك أنتم أعلم بأمور دنياكم وفي نزوله بأدنى مياه بدر إلى غير ذلك من الاعتقادات في أمور الدنيا فلم يمتنع نسبتها إليه وإلى غيره من إخوانه الأنبياء عليهم السلام، ولهذا البحث صلة في الآية 53 من سورة الحج في ج 3، وفي الآية 121 من سورة طه المارة في ج 1 فراجعها، قال تعالى: {وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} قبائح أحوال الخائضين وأعمالهم {مِنْ حِسابِهِمْ} آثامهم التي يحاسبون عليها وجزاؤهم التي يعذبون بسببها {مِنْ شَيْءٍ} أبدا وجيء بمن لتأكيد الاستغراق إذا كانوا متقين ذلك {وَلكِنْ ذِكْرى} أي عليهم أن يتذكروا ويتعظوا وينبهوا غيرهم ويمنعوهم بما أمكن من العظة ويظهروا لهم الكراهة ليتيقظوا {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} 69 ذلك الخوض ويتركونه وينفضوا عنه حياء أو كراهية لمساءتهم، نزلت هذه الآية لما قال المسلمون لئن كنا نقوم كلما استهزأ المشركون بالقرآن لم نستطيع أن نجلس بالمسجد الحرام ولا نطوف بالبيت وإنا نخاف الإثم إذا لم ننهاهم فبين اللّه تعالى أن لا بأس لمن يتقي أعمال الخائضين والاكتفاء بتذكيرهم على ما يدل على المنع، هذا إذا كانوا في المسجد ولم يقدروا على منعهم أما في غير المسجد فعليهم ترك المكان الذي هم فيه إذا لم يقدروا على منعهم من الخوض، وهذه الآية محكمة لأنها خير من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ راجع الآية 41 من سورة يونس المارة، وغاية معناها أن كل إنسان مختص بحساب نفسه، وما قيل إنها منسوخة بآية النساء 14 في ج 3 لا وجه له لأن تلك مؤيدة هذه ومؤكدة لها باللفظ والمعنى وهي مدنية وهذه مكية تدبر، راجع تمحيص القول في هذا عند تفسيرها، ومن هنا يعلم كراهة جلوس المرء في المجالس التي يقع اللهو واللعب واللغو والرفث وغيره إذا لم يستطع النهي عنه، روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.